ابن عجيبة
9
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : فَعَجَبٌ : خبر ، و قَوْلُهُمْ : مبتدأ ، و أَ إِذا كُنَّا . . . إلخ - محكى به . واختلف القراء هنا ، وفي مواضع من القرآن ، فمنهم من قرأ بالاستفهام في الأول دون الثاني ، ومنهم بالعكس ، ومنهم من قرأ بالاستفهام فيهما . فمن قرأ بالاستفهام في الأول دون الثاني فإنما القصد هو الثاني ؛ لأنهم إنما أنكروا كون الإنسان يصير ترابا ثم يبعث ، وأما كونهم يصيرون ترابا فلا إنكار عندهم فيه . ومن قرأ بالاستفهام في الثاني فعلى الأصل ، ومن قرأ بالاستفهام فيهما فزيادة تأكيد . والعامل في إِذا محذوف ، دل عليه : لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أي : أنجدد إذا . . . . إلخ . يقول الحق جل جلاله : وَإِنْ تَعْجَبْ يا محمد من إنكارهم البعث فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أي : فقولهم حقيق بأن يتعجب منه ، فإنّ من قدر على إنشاء ما قصّ عليك من عجائب السماوات والأرض ، وأنواع الثمار على اختلاف أصنافها وألوانها ، كانت الإعادة أيسر شئ عليه ، فالآيات المعدودة كما هي دالة على وجود المبدأ ، فهي دالة على إمكان الإعادة ، لأنها دالة على كمال قدرته تعالى . ثم فسر قولهم في الإنكار : قالوا : أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أي : أنجدّد إذا متنا ، وكنا ترابا ، أُولئِكَ القائلون ذلك ، أو المنكرون البعث ، الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ؛ لأنهم كفروا صفة القدرة ، وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ أي : مقيدون بالضلال ، قد أحاط بهم الشقاء ، لا يرجى خلاصهم ، أو : يغلّون يوم القيامة . وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ لا ينفكون عنها . وتوسط ضمير الفصل ؛ لتخصيص الخلود بالكفار ، ففيه رد على المعتزلة . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : إنكار بعث الأرواح من غفلاتها وجهلها ، كإنكار بعث الأشباح بعد موتها ، يتعجب من الأول كما يتعجب من الثاني ؛ فالقدرة صالحة ، فمن قدر على بعث الأشباح بعد موتها الحسى قدر على بعث الأرواح بعد موتها المعنوي . « من استغرب أن ينقذه اللّه من شهوته ، وأن يخرجه من وجود غفلته ، فقد استعجز قدرة الإلهية ؛ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً » . وقد أحيا اللّه أرواحا كثيرة كانت ميتة بالجهل والمعاصي ، فصارت عارفة باللّه ، من خواص أولياء اللّه من كانوا لصوصا فصاروا خصوصا ، ومنهم من كانوا كفارا ، فصاروا أبرارا . وباللّه التوفيق . ثم استمر بهم الإنكار حتى استعجلوا ممن أوعدهم بذلك العذاب ، فقال تعالى : [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 6 ] وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ ( 6 ) قلت : « المثلات » : جمع مثلة ، كسمرة ، وهي العقوبة العظيمة ، التي تجعل الإنسان مثلا لمن بعده . وفيها لغات وقراءات شاذة . و عَلى ظُلْمِهِمْ : حال ، والعامل فيه : المغفرة . يقول الحق جل جلاله : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ أي : بالنقمة قبل العافية ، طلبوا نزول العذاب الذي أوعدهم به ؛ استهزاء ، وَقَدْ خَلَتْ : مضت مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ : عقوبات أمثالهم من